كمال الدين دميري

134

حياة الحيوان الكبرى

سباع بن ثابت عن أم كرز ، قالت : أتيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم فسمعته يقول « 1 » : « أقروا الطير على مكناتها » وفي رواية في وكناتها . وهذا بعض حديث ، رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان ، قال : فالتفت سفيان إلى الشافعي وقال : يا أبا عبد اللَّه ما معنى هذا ؟ فقال الشافعي : إن علم العرب كان في زجر الطير ، فكان الرجل منهم إذا أراد سفرا خرج من بيته ، فيمر على الطير في مكانه فيطيره ، فإذا أخذ يمينا مر في حاجته ، وإن أخذ يسارا رجع . فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « أقروا الطير على مكناتها » . قال : فكان ابن عيينة يسأل بعد ذلك عن تفسير هذا الحديث فيفسره على نحو ما فسره الشافعي . قال أحمد بن مهاجر : وسألت الأصمعي عن تفسير هذا الحديث ، فقال مثل ما قال الشافعي . قال : وسألت وكيعا فقال : إنما هو عندنا على صيد الليل ، فذكرت له قول الشافعي فاستحسنه وقال : ما ظننته إلا على صيد الليل . وروى البيهقي ، في سننه ، أن إنسانا سأل يونس بن عبد الأعلى عن معنى « أقروا الطير في مكناتها » فقال : إن اللَّه تعالى يحب الحق ، إن الشافعي قال في تفسيره كذا ، وذكر ما تقدم عنه . قال : وكان الشافعي ، رحمه اللَّه نسيج وحده في هذه المعاني . قوله : « نسيج وحده » هو بالإضافة ، ووحده مكسور الدال . قال ابن قتيبة : وأصله أن الثوب الرقيق النفيس لا ينسج على منواله غيره ، وإن لم يكن نفيسا عمل على منواله عدة أثواب . فاستعير ذلك لكل كريم من الرجال ، انتهى . قال الصيدلاني ، في شرح المختصر : المكنة بكسر الكاف موضع القرار والتمكن . قال : وفي معنى هذا الحديث أقوال : أحدها النهي عن الصيد ليلا ، ثانيهما ما تقدم عن الشافعي ، ثالثها قال أبو عبيدة القاسم بن سلام : أقروها على بيضتها التي احتضنتها ، وأصل المكن بيض الضب قال الصيدلاني : فعلى هذا يجب أن يكون المفرد المكنة بتسكين الكاف ، كتمرة وتمرات انتهى . الفائدة الأخرى : الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء المثناة تحت ، التشاؤم بالشيء . قال « 2 » تعالى : * ( وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَنْ مَعَه أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ الله ) * أي شؤمهم جاء من قبل اللَّه تعالى ، وهو الذي قضى عليهم بذلك وقدره . ويقال تطير طيرة وتخير خيرة ، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما . انتهى . وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم ، فنفاه الشرع وأبطله بقول : لا طيرة وخيرها الفأل . قيل : يا رسول اللَّه وما الفأل ؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم : « الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم » « 3 » وفي رواية قال : « يعجبني الفأل وأحب الفأل الصالح » . وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح ، فينفرون الظباء والطيور ، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في أسفارهم وحوائجهم ، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك . وفي حديث « 4 » آخر « الطيرة شرك » أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر ، وإنما اشتقوا الطيرة من الطير لسرعة لحوق البلاء على اعتقادهم كما يسرع الطير في الطيران . وأما الفأل فمهموز ، ويجوز ترك همزه ، وقد فسره النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالكلمة الصالحة

--> « 1 » رواه أبو داود : في أضاحي 21 . وابن حنبل 6 - 381 . « 2 » سورة الأعراف : آية 131 . « 3 » رواه البخاري : طب 43 - 44 . ومسلم : سلام 110 . « 4 » رواه أبو داود : طب 24 . والترمذي : سير 46 .